الشيخ حسن المصطفوي
134
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
المحيطة ، فانّ الإنسان محدود بحدود أربعة ، وكلّ منها يوجب حجابا وتقيّدا وضعفا : 1 - التقيّد والمحدوديّة بالزمان ، وهو بعد طوليّ . 2 - المحدوديّة بالمحلّ والمكان ، وهو بعد عرضيّ . 3 - التعلَّق والتقيّد بالبدن المادّيّ ، وهو بعد عمقيّ . 4 - المحدوديّة الذاتيّة وتقريرها على قدر معيّن لا تتجاوز عنه . فإذا وفّقنا بالتخلَّص عن الحدود والقيود ، وحصل لنا الورود في عالم القدس والنور : أدركنا حقيقة حضوره تعالى وإحاطته وعلمه ، وشاهدنا حقيقة الشهود من اللَّه تعالى بالشهود ، وهذا من أبواب العلم الَّتي يفتح منها ألف باب بل آلاف . وأمّا الشهيد الَّذي يقتل في سبيل اللَّه تعالى : فهو إذا سلك في هذا السبيل عن إخلاص ، وانقطع عن تعلَّقاته المادّية والنفسانيّة ، ثمّ أفدى نفسه للَّه وفي اللَّه : فيصل إلى مقام الشهود بالفناء ، فهو شهيد حقّا لأنّه يشهد أنوار الملكوت ويشاهد عالم النور ويدرك آثار الجمال والجلال ، وتتحقّق له هذه الصفة ويثبت له هذا المقام . فالشهيد باعتبار شهوده في نفسه كما مرّ من الفروق ، ولا يجوز اطلاق الشهيد على شخص بلحاظ وقوع الشهود من الغير ، كشهود الملائكة وشهود اللَّه تعالى : * ( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ ا للهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ) * - 4 / 69 . * ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِه ِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * - 57 / 19 . ولا يبعد أن يكون إطلاق الشهيد : باعتبار مطلق الشهود ، لشهوده بروحانيّته وبصيرته حقيقة أحوال المخالفين وأعمالهم وتظاهراتهم ، ثمّ شهود حقيقة الصراط الحقّ وما بين يديه من مراحل السلوك والمقامات الروحانيّة ، وهذا معنى مطلق لا ينافي المعنى المخصوص الَّذي ذكر . وهذا المعنى هو المراد في الآيات الكريمة : * ( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) * - 39 / 69 . * ( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) * - 22 / 78 .